محمد بن جرير الطبري
76
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
ثاقب ، ولذلك أنكرت الجن ما كانت تعرف حين قالت : وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا . . . إلى قوله : شهابا رصدا . قال وهب : فلم يرع إبليس إلا تجاوب ملائكتها بالصلاة على أيوب ، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه . فلما سمع إبليس صلاة الملائكة ، أدركه البغي والحسد ، وصعد سريعا حتى وقف من الله مكانا كان يقفه ، فقال : يا إلهي ، نظرت في أمر عبدك أيوب ، فوجدته عبدا أنعمت عليه فشكرك ، وعافيته فحمدك ، ثم لم تجربه بشدة ولم تجربه ببلاء ، وأنا لك زعيم لئن ضربته بالبلاء ليكفرن بك ولينسينك وليعبدن غيرك قال الله تبارك وتعالى له : انطلق ، فقد سلطتك على ماله ، فإنه الامر الذي تزعم أنه من أجله يشكرني ، ليس لك سلطان على جسده ولا على عقله فانقض عدو الله ، حتى وقع على الأرض ، ثم جمع عفاريت الشياطين وعظماءهم ، وكان لأيوب البثنية من الشام كلها ، بما فيها من شرقها وغربها ، وكان له بها ألف شاة برعاتها ، وخمس مئة فدان يتبعها خمس مئة عبد ، لكل عبد امرأة وولد ومال ، وحمل آلة كل فدان أتان ، لكل أتان ولد من اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك . فلما جمع إبليس الشياطين ، قال لهم : ماذا عندكم من القوة والمعرفة ؟ فإني قد سلطت على مال أيوب ، فهي المصيبة الفادحة ، والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال . قال عفريت من الشياطين : أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من نار فأحرقت كل شئ آتي عليه . فقال له إبليس : فأت الإبل ورعاتها . فانطلق يؤم الإبل ، وذلك حين وضعت رؤسها وثبتت في مراعيها ، فلم تشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار تنفخ منها أرواح السموم ، لا يدنو منها أحد إلا احترق ، فلم يزل يحرقها ورعاتها حتى أتى على آخرها فلما فرغ منها تمثل إبليس على قعود منها براعيها ، ثم انطلق يؤم أيوب ، حتى وجده قائما يصلي ، فقال : يا أيوب قال : لبيك قال : هل تدري ما الذي صنع ربك الذي اخترت وعبدت ووحدت بإبلك ورعائها ؟ قال أيوب : إنها ماله أعارنيه ، وهو أولى به إذا شاء نزعه ، وقديما ما وطنت نفسي ومالي على الفناء . قال إبليس : وإن ربك أرسل عليها نارا من السماء فاحترقت ورعاتها ، حتى أتى